اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
167
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
المعروف لنا جيدا ، أعنى بذلك ذكر مناقب الأماكن المختلفة استنادا إلى الأحاديث النبوية . ونادرا ما تكون المادة الجغرافية فيها سهلة المأخذ إذ يجب انتزاعها انتزاعا من الروايات والأخبار التي قلّ أن تمس المسائل التي نعالجها . وعلى أية حال فإنه يلاحظ في هذا الميدان ميلاد أشكال جديدة حية تتعلق بالقواعد الجغرافية العامة ، بل إنه أنتج لنا في القرن العاشر مصنفا هاما ؛ ومن العسير أن نستعرض جميع أمثلته ونماذجه ولكن من الضروري أن نعطى فكرة عامة عن أشكاله المختلفة . ومن الطبيعي أن يتجه اهتمام العلماء في ظروف ذلك العهد إلى « المدن المقدسة » ، كما اتجه اهتمام اللغويين من قبل إلى بلاد العرب . ونلتقى في القرن التاسع بمؤلّفين على الأقل كتبا في تاريخ مكة ، أحدهما هو الأزرقي ( المتوفى عام 244 ه - 858 ) 61 والآخر الفاكهي ( المتوفى حوالي عام 272 ه - 885 ) 62 ، - - وينحدر الأول من أسرة تنتسب إلى آل غسّان وتربطها الرواية بالحديث النبوي . وهذا النوع من المصنفات في تواريخ المدن انبعث نتيجة لاهتمام المسلمين بالأماكن المقدسة وحاجتهم إلى مصنف يكون أشبه بدليل جغرافى للتعريف بنواحيها ووصف الشعائر الدينية المرتبطة بهذا . وقد أسبغت عليها الأساطير القديمة التي ترجع إلى التوراة والتلمود طابعا مميزا فهي تتكون غالبا من مقدمة يليها وصف الكعبة وتاريخها المتأخر ووصف الأبنية المحيطة بها ، ثم يعقب هذا تعداد الدروب والأحياء بمكة مع ذكر عدد كبير من الأسماء ؛ أما المادة الجغرافية فضئيلة للغاية ولكنها ذات قيمة كبرى بالنسبة لتاريخ نشأة مكة ونموها 63 . وقد تعاقب بعد الأزرقي عدد من المؤلفين كانوا متممين لعمله وتمتعت مؤلفاتهم بالشهرة عند الجمهور إلى الآونة الأخيرة . ويرجع الفضل في إلمامنا بهذا الفرع من الأدب إلى أبحاث فستنفلد الذي نشر « أخبار مكة » في أربعة أجزاء ( 1857 - 186 ) ختمها بآخر ممثل لهذا النمط الجغرافي وهو النهروالى من أهل القرن السادس عشر ( توفى عام 990 ه - 1582 ) 64 والطابع الغالب على تواريخ المدن هو أن تحتوى المقدمة على الجانب الجغرافي الذي يعطى وصفا طوبوغرافيا للمدينة ، بينما تتحكم في بقية مادة الكتاب السّير ، أي تراجم حياة المشاهير من أهل تلك المدينة . ومن العسير الجزم هل وجدت مثل هذه المقدمة عند أول مؤرخ لبغداد وهو أحمد بن أبي طاهر طيفور ( توفى عام 280 ه - 893 ) 65 ، إذ لم يعثر إلى الآن سوى على الجزء السادس من تاريخه وهو يحوى مادة تاريخية صرفة . ومثل هذه المقدمة موجودة عند خلفه المشهور الخطيب البغدادي ( توفى عام 463 ه - 1071 ) 66 الذي يقدم لنا في « تاريخ بغداد » تراجم لنحو من ثلاثين وثمانمائة وسبعة آلاف شخص في أربعة عشر جزءا . وهذه المقدمة تمثل بالتقريب جميع المادة الجغرافية للكتاب ، وقد بينت أهميتها بالنسبة لتاريخ تخطيط المدينة الترجمة الفرنسية التي قام بها سلمون Salmon ( 1904 ) . واستخراج المادة الجغرافية من هذا النوع من المصنفات لا يمثل على الدوام جهدا يسيرا ، ويصدق هذا بصورة خاصة على أضخم مصنف من هذا النوع في الأدب العربي ، أعنى « تاريخ دمشق » في ثماني عشر